عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

272

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

جليّ عيني ، فهم مؤمنون بما لا يتناهى منه ، فإيمانهم مختصّ باللّه تعالى وحده ، ومن لحق بهم مؤمنون باللّه وبجميع هذه الأشياء المذكورة في تعريف الإيمان بقوله : أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشرّه من اللّه تعالى ، فهؤلاء لاحقون وأولئك هم السابقون . وأما الصلاح ، فهو عبارة عن دوام العبادة ، وهي أعمال البرّ طلبا لثواب اللّه تعالى وخشية من عقابه ، فهو يعلم الأشياء للّه تعالى ، ولكنه بها يطلب منه الزيادة في دنياه وآخرته ، فهو عابد للّه خوفا من ناره وطمعا في جنته ، فيستحكم بذلك في قلبه عظمة الحق ويأخذ من قلبه استحكام البعد عن معاصي اللّه تعالى ، فيتزكى عن الأمور المنهى عنها . وفائدة دوام العبادة تمكن النكتة الإلهية من سويداء قلب العابد ، فلو كشف الغطاء بعد ذلك لا ينخرم على الإطلاق فيكون في حقائقه مقيدا بشرائعه وهذا ما أنتج له دوام العبادة بشرط الرجاء ، لأن عبادة الصالحين مشروطة بذلك ، بخلاف المحسن فإنه يعبد اللّه رهبة منه ورغبة في عباته . والفرق بينه وبين الصالح أن الصالح يخاف من عذاب النار على نفسه ، ويطمع في ثواب الجنة لنفسه ، فعلة خوفه ورجائه هي النفس ، والمحسن يرهب من جلال اللّه تعالى ويرغب في جمال اللّه تعالى ، وعلة رغبته ورهبته جمال اللّه تعالى وجلاله ، فالمحسن مخلص للّه والصالح صادق في اللّه ، وشرط المحسن أن لا يجري عليه كبيرة ، بخلاف الصالح فإنه لا يشترط له ذلك فافهم . وأما الإحسان ، فهو اسم المقام يكون العبد فيه ملاحظا لآثار أسماء الحق وصفاته ، فيتصوّر في عبادته كأنه بين يدي اللّه تعالى ، فلا يزال ناظرا إلى هذه الكينونة ، وأقلّ درجاته أن ينظر إلى أن اللّه ناظر إليه ، وهذه أوّل درجات المراقبة ، ولا يصح هذا إلا بشروط سبعة ، وهي التوبة والإنابة والزهد والتوكل والتفويض والرضا والإخلاص . فأما التوبة فلأنه متى عاد إلى الذنب لم يكن مراقبا ، ولا ناظرا إلى نظر الحق إليه ، لأن من يرى أن اللّه يراه لا تطاوعه قواه ولا قلبه على المعصية ، فتوبة المحسن ومن تحت مقام الإحسان من الصالحين والمؤمنين والمسلمين إنما هي من الذنب ، وتوبة أهل مقام الشهادة من خاطر المعصية ، وتوبة أهل مقام الصديقية من أن يخطر غير اللّه في البال ، وتوبة المقرّبين من الدخول تحت حكم الحال فلا تملكهم الأحوال ، وذلك عبارة عن التحقق في الاستواء الرحماني من التمكين في كل تلوين بمعرفة أهله .